الخميس، 4 يونيو 2020

الدخان ( البطشة الكبرى )

بسم االله الرحمن الرحيم



الدخان ( البطشة الكبرى )

 والنجم ذو الذَّنّب


الحديث عن هذا الموضوع يحتاج الى صبر على سرد وفهم الادلة ، وسوف أطيل النفس فيه لأني محتاج الى ذكر كل دليل من الكتاب والسنة، حتى نكون على هدى ونور وبينة .

لذا ارجو الصبر على القراءة والتأمل، خاصة في الأدلة والنصوص، لأنها هي من سبين لنا ترتيب الاحداث وتحليلها وفق فهم سليم .
حيث أن الكذب والتدليس والمتاجرة بهذا الموضوع قد بلغ مبالغه، وللأسف كان له تأثيرات سلبية على كثير من الناس .
قال تعالى:
((فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (16))) الدخان.
أهمية الحديث عن هذا الموضوع ..
يتلخص في عدة نقاط لابد من التقديم بها أولا قبل الدخول بصلب الموضوع :
اولا . معرفة اهم التحولات الانتقالية في البشرية .
ثانيا. جعل هذا الحدث فاصل زمني اذا علمنا ما بعده فسنعلم ما قبله (مقاربة) .
ثالثا. فيه الرد والاجابة على كثير من التساؤلات والشبهات .
شرح مفردات الايات:
(فَارْتَقِبْ): يا رسول الله، والخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خطاب لأمّته من بعده، أي: فارتقبوا، والترقب: يدل على انتصاب لمراعاة شيء، ومنه الرّقَبة لأنها منتصبة، والترقب فيه انتظار وترصّد لشيء متوقع، الخلاصة: (ترقبوا وارصدوا بمراصدكم أيها الناس جميعاً ما ستتوقعونه قبل أوانه، والعبرة بالاستفادة).
(البطش): فيه أخذ بقوة وقهر وغَلَبة وعنف، وفي الآيات السابقة أُضيف لها الانتقام، فكأنها بطشة انتقام.
المعنى العام باختصار:
هو توعّد وتهديد من الله تعالى للناس، بأن يترقبوا عذابا أليماً تأتي به السماء، هذا العذاب هو دخان يغشى الناس فيغطي نور الشمس عنهم، انتقاماً لأفعال وفواحش ارتكبوها، وعودة لإنكار دين الله تعالى ورسالة نبيه عليه الصلاة والسلام كما فُعل قديماً.
فما هي هذه (البطشة السماوية الانتقامية الكبرى) والتي فيها عذاب أليم يغشى الناس؟
بداية، لابد من الاشارة إلى عدة نقاط ضرورية:
أولاً: أصناف العقاب الرباني متعددة، قال تعالى: 
(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)) العنكبوت.
فذكر تعالى: الحاصب والصيحة والخسف والغرق، وكل عقاب بحسب ذنبه كما قال.
ثم ذكر الله تعالى أن لديه من الجنود السماوية والجنود الأرضية، ما لا يتوقعه أعداء الإسلام، كالخسف، وهو من الجند الأرضي، وكإسقاط كِسَفاً من السماء، وهو م الجند السماوي، فقال تعالى:
(أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (9)) سبأ.
والحاصب هي الحجارة، والكِسف هي القِطعة من السماء كالنيزك وغيرها.
وفي ذلك ردٌ على كل من قال إن هذه الأشياء إنما هي كوارث تتحكم بها الطبيعة، ومجرد تفاعلات فيزيائية وغيم مركوم بعضه على بعض، قال تعالى:
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)) الطور.
الخلاصة:
إن لله تعالى أصنافاً من العقاب وجنوداً لا يعلمها إلا هو، ذهب منها في الأمم السابقة ما أخبر به الله تعالى، كالصيحة على قوم ثمود، والخسف بقارون، وغرق قوم نوح عليه السلام وغرق فرعون، والحاصب الذي نزل على قوم لوط.
ومن هذه الأصناف التي أخبر الله عنها هنا في آيات الدخان هو: العذاب بالدخان الواضح، والتي ستكون آية من آيات الله تعالى، فاصلة زمنية، فليس ما بعدها كما قبلها إطلاقاً، وهي أول انذار كبير بقرب قدوم الأمارات الكبرى لأشراط الساعة.

ثانيا: ما أسباب نزول هذا النوع من العذاب (العذاب السماوي)؟
لقد أنذر الله تعالى الأمة من الأمن من عقاب رباني سماوي، فكان كالتمهيد لما هو قادم، فقال تعالى:
(أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)) المُلك.
وقال صلى الله عليه وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف). رواه ابن حبان.
أما سبب ذلك العذاب فيتوضح في الأحاديث التالية:
قال صلى الله عليه وسلم : (والذي بعثني بالحقّ لا تَنقَضي هذه الدنيا حتى يَقَعَ بهمُ الخسفُ والمسخُ والقذفُ، قال: ومتى ذاك يا رسولَ اللَّه؟ قال: إذا رأيتمُ النساءَ ركبنَ السُّرُوجَ، وكثُرتِ المعازفُ، وفشتْ شهاداتُ الزُّورِ، وشُربتِ الخمرُ لا يُستَخفى بها، وشَربَ المُصلُّونَ في آنِيةِ أَهْلِ الشِّركِ مِنَ الذَّهبِ والفضَّةِ، واستَغنَى النّساءُ بالنساءِ، والرّجالُ بالرّجال، فإذا رأيتم ذلك فاسْتَدْفِرُوا وَاسْتَعِدُّوا إِذَا هَوَى القَذْفُ مِنَ السَّمَاءِ). وَفِي رِوَايَةِ الْمَالِينِيِّ: اسْتَنْفِرُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَوَضَعَهَا عَلَى جَبْهَتِهِ يَسْتُرُ وَجْهَهُ). رواه البزار والطبراني والحاكم وغيرهم.
وقال عليه الصلاة والسلام : (إذا صنعت أمتي خمسا فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القينات، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء). رواه الطبراني. وفي رواية:
(إذا استعملت أمتي خمسا ....).
قال البيهقي: إسناده وإسناد ما قبله غير قوي، غير أنه إذا ضم بعضه إلى بعض أخذ قوة، والله أعلم.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، حتى لا يقول عبد: مهمه، ولتركبن سنن الأمم قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا يخطئكم، حتى لو أنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم أمة يأكلون العذرة رطبة أو يابسة لأكلتموها، وستفضلوهم بثلاث خصال لم تكن فيمن كان قبلكم من الأمم: نبش القبور وسمنة النساء، تسمن الجارية حتى تموت شحما وحتى يكتفي الرجال بالرجال دون النساء، والنساء بالنساء دون الرجال، أيم الله إنها لكائنة ولو قد كانت خُسف بهم ورُجموا كما فُعل بقوم لوط، والله ما هو بالرأي، ولكنه الحق اليقين". رواه نعيم في الفتن.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "إنما حق القول على قوم لوط، حين استغنى النساء بالنساء، والرجال بالرجال".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (لا بد من خسف ومسخ وقذف. قالوا: يا رسول الله! في هذه الأمة؟ قال: نعم، إذا اتخذوا القيان، واستحلوا الزنى، وأكلوا الربا، واستحلوا الصيد في الحرم، ولبس الحرير، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء). رواه ابن النجار.
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال؛ فبشرهم بريح حمراء، تخرج من قبل المشرق، فيمسخ بعضهم، ويخسف ببعض؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). رواه الديلمي.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى ترضح رؤوس أقوام بكواكب من السماء باستحلالهم عمل قوم لوط. رواه الديلمي.
وعن حذيفة رضي الله عنه: أنه قال: لا يكون في بني إسرائيل شيء؛ إلا كان فيكم مثله، فقال رجل: يكون فينا مثل قوم لوط؟ قال: نعم. رواه ابن أبي شيبة.

..
ثالثاً: الربط بين آيات سورة الدخان وبين النجم ذو الذنب:
فهذا ما نفهمه مما فسّره ترجمان القرآن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما بأن الدخان هو الكوكب ذو الذنب، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع "الكوكب ذو الذنب"؛ فخشيت أن يكون "الدخان" قد طرق، فما نمت حتى أصبحت. 
رواه: ابن جرير وابن أبي حاتم. قال ابن كثير في تفسيره: إسناده صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وكل ذلك نتيجة لما ارتكبوه من معاصي بلغت قمم الفساد والإفساد في الأرض، وتكاسل المصلحون عن القيام بواجبهم في ذلك الزمان، ولم يعد من ينكر المنكر ويأمر بالمعروف، حتى استحقوا نتيجة ما كسبت أيديهم، وما كان الله تعالى ليظلم أحداً، وهذا ما جعلهم يستحقون غضب الله تعالى ومقته عليهم، وهذا يذكرني بحديث:
(إنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ ذَاتَ يَومٍ في خُطْبَتِهِ:
أَلَا إنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُمْ، ممَّا عَلَّمَنِي يَومِي هذا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ به سُلْطَانًا، وإنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أَهْلِ الأرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلَّا بَقَايَا مِن أَهْلِ الكِتَابِ..) رواه مسلم.
فبعد أن أطاع الناس الشياطين وأشركوا بربهم، مقتهم الله وأَبغضَهم أشدَّ البغضِ، عرَبَهم وعجَمَهم، إلَّا بَقايا مِن أهلِ الكتابِ ممن لم يَزالوا مُتمسكين بالحقّ ولم يُبدّلوا دينَهم، وكان هذا قبل الإسلام، أما ما ينطبق علينا الآن في زمننا هذا، فهو قوله صلى الله عليه وسلم:
(إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل منهم من تخلف). رواه الإمام أحمد.
وعن أشرس بن شيبان الهذلي قال: "قلت لفرقد السبخي: أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة، فقال: يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربي (مرتين أو ثلاثًا)، لقد قرأت في التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أهل القبلة. قال: قلت: يا أبا يعقوب! ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالًا ثلاثة؛ فاستيقن واستعد واحذر. قال: قلت: ما هي؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم. فعند ذلك قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة. ثم قال: والله؛ ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسفن بقوم كما خسف بقارون. رواه ابن أبي الدنيا.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: "أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل، والله؛ لا تدعون شيئًا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله. فقال رجل: أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: "نعم، ممن أسلم وعرف نسبه". رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".

...
خلاصة ما سبق: 
أن العقاب بجند من السماء كالحاصب والكسف والحجارة .. والدخان .. ليست أمورا مستغربة ، وهي استحقاق لافعال معينة .. وأنها قادمة في هذه الأمة والعياذ بالله ، وبأنها شديدة التأثير ، ولكنها ليست نهاية الحياة .
في الجزء القادم ان شاء الله:
زمن آية الدخان (البطشة الكبرى) النجم ذو الذنب.. ومزيدا من الأدلة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم لا يغر نكم الرزق والنصر مع المعاصي   عن أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان أبو عُبَيْدةَ بْ...